العيني
124
عمدة القاري
ذكر ما يستنبط منه : قد مضى في حديث أنس ، رضي الله تعالى عنه ، أن مقامه بمكة في حجته كان عشرة أيام ، وبين في هذا الحديث أنه قدم مكة رابعة ذي الحجة ، وكان يوم الأحد ، فصلى الصبح بذي طوى واستهل ذو الحجة في ذلك العام ليلة الخميس ، فأقام بمكة يوم الأحد إلى ليلة الخميس ثم نهض ضحوة يوم الخميس إلى منى ، فأقام بها باقي نهاره وليلة الجمعة ، ثم نهض يوم الجمعة إلى عرفات أي : بعد الزوال ، وخطب بنمرة بقرب عرفات ، وبقي بها إلى الغروب ، ثم أفاض ليلة السبت إلى المزدلفة فأقام بها إلى أن صلى الصبح ، ثم أفاض منها إلى طلوع الشمس يوم السبت وهو يوم الأضحى والنفر إلى منى ، فرمى جمرة العقبة ضحوة ثم نهض إلى مكة ذلك اليوم ، فطاف بالبيت قبل الزوال ، ثم رجع في يومه إلى منى فأقام بها باقي يوم السبت والأحد والاثنين والثلاثاء ، ثم أفاض بعد ظهر الثلاثاء ، وهور آخر أيام التشريق إلى المحصب ، فصلى به الظهر وبات فيه ليلة الأربعاء وفي تلك الليلة أعمر عائشة من التنعيم ، ثم طاف طواف الوداع سحرا قبل صلاة الصبح من يوم الأربعاء وهو صبيحة رابع عشرة ، وأقام عشرة أيام كما ذكر في حديث أنس ، ثم نهض إلى المدينة ، فكان خروجه من المدينة إلى مكة لأربع بقين من ذي القعدة ، وصلى الظهر بذي الحليفة وأحرم بأثرها ، وهذا كله مستنبط من قوله : ( قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لصبح رابعة من ذي الحجة . . ) ومن الحديث الذي جاء أن يوم عرفة كان يوم جمعة ، وفيه نزلت : * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * ( المائدة : 3 ) . ومما يستفاد منه : أن أحمد وداود وأصحابه على جواز فسخ الحج في العمرة ، وهو مذهب ابن عباس أيضا لأنه روى أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يجعلوا حجتهم عمرة إلاّ من كان ساق الهدي ، ولا يجوز ذلك عند جمهور العلماء من الصحابة وغيرهم . قال ابن عبد البر : ما أعلم من الصحابة من يجيز ذلك إلا ابن عباس ، وتابعه أحمد وداود ، وأجاب الجمهور : أن ذلك خص به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لا يجوز اليوم ، والدليل على أن ذلك خاص للصحابة الذين حجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيرهم ما رواه أبو داود : حدثنا النفيلي ، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد ، قال : أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن ( عن الحارث ابن بلال بن الحارث عن أبيه ، قال : قلت : يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا ؟ قال : بل لكم خاصة ) . وأخرجه ابن ماجة والطحاوي أيضا ، وروى الطحاوي أيضا : حدثنا ابن أبي عمران قال : حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ، قال : حدثنا عيسى بن يونس عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن المرقع بن صيفي ( عن أبي ذر ، قال : إنما كان فسخ الحج للركب الذي كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ) . وأخرج الطحاوي هذا من سبع طرق ، وأخرجه ابن حزم من طريق المرقع ، وقال : المرقع مجهول ، وقد خالفه ابن عباس وأبو موسى فلم يريا ذلك خاصة ، ولا يجوز أن يقال في سنة ثابتة : إنها خاصة لقوم دون قوم إلاّ بنص قرآن أو سنة صحيحة ، قلنا : هذا مردود بأن سائر الصحابة ما وافقوه على هذا ، والمرقع معروف غير مجهول ، وقد روى عنه مثل يحيى بن سعيد الأنصاري ويونس بن أبي إسحاق وموسى بن عقبة وعبد الله بن ذكوان ، ووثقه ابن حبان ، واحتج به أبو داود والنسائي وابن ماجة ، وعن أحمد : حديث أبي ذر من أن فسخ الحج في العمرة خاصة للصحابة صحيح ، والمرقع ، بضم الميم وفتح الراء وتشديد القاف المكسورة وفي آخره عين مهملة . تابَعَهُ عَطَاءٌ عنْ جَابِرٍ رضي الله تعالى عنه أي : تابع أبو العالية عطاء بن أبي رباح في روايته عن جابر بن عبد الله ، وأخرج البخاري هذه المتابعة مسندة في باب التمتع والإقران والإفراد في كتاب الحج ، وسيأتي بيانه ، إن شاء الله تعالى . 4 ( ( بابٌ فِي كَمْ يَقْصُرُ الصَّلاةَ ) ) أي : هذا باب في بيان كم مدة يقصر الإنسان الصلاة فيها إذا قصد الوصول إليها بحيث لا يجوز له القصر إذا كان قصده أقل من تلك المدة ؟ ولفظة : كم ، استفهامية ، ومميزها هو الذي قدرناه . قوله : ( يقصر الصلاة ) يجوز في : يقصر ، أن يكون على بناء الفاعل ، وأن يكون على بناء المفعول ، فعلى الأول لفظ الصلاة منصوب ، وعلى الثاني مرفوع . وسَمَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم السَّفَرَ يَوْما ولَيْلَةً